افتتــــاحيــة العــدد

يصدر هذا العدد من مجلة كلية الآداب على هدي القواعد التي أرساها الأستاذ الدكتور جمال حجر منذ أن تولى رئاسة تحريرها، ثم أصبح رئيسًا لمجلس إدارتها بعد تعيينه عميدًا للكلية، فقد استطاع بعلمه الغزير وحسه المرهف وذوقه الرفيع أن يرتفع بمستواها شكلاً ومضمونًا حتى أصبحت مطمح الباحثين الجادين على امتداد الوطن العربي.

وقد كنت ولا أزال أومن بأن على اللاحق أن يكمل ما بدأه السابق إذا تحققت فيه عناصر الجودة والابتكار والإتقان، فلم أشأ أن أغير من شكل المجلة إلا بالقدرالذي يضيف إليها ولا ينقص منها، مع حرص كامل على أن يظل لها مستواها الأكاديمي المرموق الذي يليق بتاريخها العريق، ومكانة كلية الآداب بين الكليات المناظرة، فالأبحاث التي تنشر فيها تخضع لتحكيم علمي دقيق وصارم، ثم تخضع لمراجعة لغوية وإملائية دقيقة قبل الطبع وبعده.

وسوف تظل رغبتنا في تطويرها والإضافة إليها قائمة حتى نحتفظ لها دومًا بمنزلتها الرفيعة بين نظائرها من المجلات. ونأمل أن يلحظ القارئ المتابع ذلك فيما يستقبل من أعدادها في القريب العاجل إن شاء الله.

ونحن نسعى جاهدين إلى تلبية رغبات الباحثين في زيادة أعداد المطبوع منها، وتوزيعها على نطاق واسع حتى تصل إلى أيدي الراغبين فيها في أي مكان في العالم شرقيه وغربيه بعد أن كثر الطلب عليها، وأخذ يتزايدعددًا بعد عدد.

ولعلي ألفت القارئ الكريم إلى أن  أعدادًا خاصة من هذه المجلة سوف تصدر ملقية الضوء على موضوع واحد من كافة جوانبه، وأول هذه الأعداد سوف يصدر بمشيئة الله متضمنًا أبحاث المؤتمر الذي عقد يومي 26/27 نوفمبر 2005 في كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية بالتعاون مع الجمعية المصرية للنقد الأدبي التي يرأسها الأستاذ الدكتور عز الدين إسماعيل بعنوان " أزمة المنهج في الدراسات الإنسانية"، وقد بلغ عدد الأبحاث المقدمة إليه اثنين وثلاثين بحثًا.

وتتميز هذه المجلة بإصداراتها التي تنطبق عليها شروط النشر في المجلة تحكيمًا ومراجعة وارتباطًا بأحد أعدادها؛ خدمة للباحثين الذين يكتبون أبحاثًا يزيد حجمها عن المألوف في الأبحاث التي تنشر في المجلة، أو يحبون أن ترى أبحاثهم النور دون ارتباط بموعد صدور المجلة، أو يضطرون إلى ذلك، وثمة تفكير أن يعاد إصدارها في أعداد خاصة من المجلة إذ يتجاوز المنشور منها مع كل عدد ما يؤلف عددًا آخر من أعداد المجلة.

ونفرد في هذا العدد والأعداد القادمة بإذن الله أبوابًا ثابتة لمراجعة الكتب، وتقارير عن حضور أعضاء هيئة التدريس بالكلية مؤتمرات عالمية أو محلية، وثبتًا بالرسائل الجامعية التي نوقشت والتي سجلت بين وقت صدور المجلة والعدد الذي يسبقه.

أما أبحاث هذا العدد فقد بلغت أحد عشر بحثًا، منها بحثان باللغة الإنجليزية، وقد جاء ترتيبها على أقسام الكلية حسب نشأتها فبدأت أبحاث اللغة العربية ببحث رصين عن الشرط المركب في القرآن الكريم. وعلى الرغم من كثرة ما كتب في هذا الموضوع من أبحاث ورسائل جامعية فإن كاتبه استطاع أن يلتقط ظاهرة من ظواهره أسماها النحاة اعتراض الشرط على الشرط وأطلق عليها مصطلح الشرط المركب وتتبع أنماط استعماله في القرآن الكريم ودلالاته، وهو أمر لم يفرد أحد من الباحثين قبله ـ فيما أعلم ـ له بحثًا. وقد ظفر التاريخ بأربعة أبحاث أحدها عني بالتأريخ لعالم سعودي معاصر يعد من أبرز العلماء الموسوعيين في هذا العصر هو أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري. وقد تتبع الباحث مراحل حياته وأعماله العلمية التي شملت مجالات العلوم الشرعية، والأدب، واللغة، والفلسفة، والجمال، والفن، والتاريخ، والتراجم والأنساب واستقصى ما كتبه عن تاريخ المملكة والجزيرة العربية والتراجم والأنساب والسير والبلدانيات وأورد في نهاية بحثه ثبتًا بأعماله الكاملة كتبًا وأبحاثًا ومقالات في مجال التاريخ والبلدانيات مرتبة على حروف الهجاء.

والبحث الثاني في هذا التخصص عن تجارة الكارم ( = التوابل) منذ نشأتها حتى نهاية العصر المملوكي وقد تناول هذا البحث أربعة موضوعات: التجارة في الإسلام، وطرق التجارة في الإسلام، وطرق التجارة في العصور الوسطى، والأصل اللغوي لمصطلح الكارم ودلالته، والتجارة الكارمية في العهد الفاطمي. وقد أبرز الباحث في بحثه مكانة الكارميين في العصرين الأيوبي والمملوكي وإسهامهم في ازدهار المجتمع الإسلامي ونشر الدعوة الإسلامية.

والبحث الثالث كان عن السجون والعقوبات في مصر الإسلامية من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الإخشيدية وقد تناول الباحث فيه مفهوم السجن والعقوبة، ومن يصدر العقوبة، ومن ينفذها، ثم ذكر العوامل التي أثرت في السجون والعقوبات سياسية كانت أم فكرية أم اقتصادية أم عقوبات شرعية، ثم تتناول أنواع العقوبات المختلفة. والبحث يلقي الضوء على موضوع لم ينل من عناية الباحثين قبله ما يستحق من اهتمام في حقبة تاريخية لها أهميتها في تاريخ مصر.

والبحث الرابع عنوانه: الآلهة الأم في العراق القديم خلال عصور ما قبل التدوين تحدث فيه الباحث عن ظاهرة بارزة في حضارات الشرق القديم هي تألية المرأة والنظر إليها نظرة تقديس وإجلال بوصفها عصب الحياة وأصل الكائنات ولعل في هذا مايثير فضول المدافعين عن حقوق المرأة في العصر الحديث.

وقد اختصت الجغرافيا في هذا العدد ببحثين أحدهما عن المياه في

الصراع العربي الإسرائيلي، وهو واحد من أهم الأبحاث في هذا العدد سلط صاحبه الضوء على الإطار العام لمنظومة المياه العذبة في العالم العربي، وتتبع الأخطار التي تواجهها الدول العربية في هذا الصدد وفي مقدمتها الأطماع الإسرائيلية والتركية، وقد حذر الباحث منها ومن إهمال مصر ودورها السياسي والحضاري في أفريقيا؛ لأنه سينعكس سلبًا على ثقلها ودورها بين دول حوض النيل؛ إذ إن حرب المياه هي الخطر الذي يتهددنا في القرن الحادي والعشرين.

والبحث الثاني في هذا التخصص عنوانه: خصائص التوزيع الجغرافي لمدارس تعليم البنين بالمدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية وهو بحث يدخل في إطار جغرافية المدن ويتناول واحدًا من أهم الموضوعات التي يتناولها الجغرافيون بالبحث والتحليل وهي الخدمة التعليمية، وذلك من خلال ثلاثة محاور: 

التوزيع العددي للمدارس، والتوزيع الحجمي، والخصائص المورفولوجية. وقدم في نهاية البحث خرائط توضح الحدود الإدارية للمدينة المنورة وتوزيع المدارس بها وثبتًا بمدارس البنين بالمدينة المنورة، والأقسام الإدارية بالمدينة.

واختصت الآثار ببحث واحد في هذا العدد عنوانه: زواج الأشقاء في الأسرة الملكية البطلمية. وفيه تقدم الباحثة قراءة جديدة للأسباب التي دفعت الملوك البطالمة إلى عقد الزيجات بين الأشقاء، وهي في مجملها أسباب سياسية، وقد بينت الباحثة انقسام الرأي في ذلك الزمان حول مشروعية هذا الزواج مابين أقلية مؤيدة، وغالبية رافضة، وقد انتهت الباحثة إلى أن هذا النوع من الزواج كان السبيل الوحيد في معظم الأحيان للوصول إلى الحكم.

أما آخر الأبحاث التي كتبت باللغة العربية في هذا العدد فكان عن

ترجمة معاني القرآن الكريم إلى التركية وصاحبه باحث تركي قدم إلى الكلية على نفقة بلاده لتدريس اللغة التركية في قسم اللغات الشرقية، تناول فيه أهمية ترجمات معاني القرآن ـ التي تزيد على مائة ترجمة ـ إلى التركية من الوجهتين الدينية واللغوية، وذكر نماذج منها، وعنى عناية خاصة بما يسمى الترجمة بين السطور بمقابلة كل كلمة عربية بأخرى تركية، ومالها من أثر في إثراء اللغة التركية بالألفاظ والمفاهيم، ومن أهمية عند إعداد معجم تاريخي للغة التركية.

وقد احتوى هذا العدد على بحثين كتبا باللغة الإنجليزية أحدهما يعنى بتحليل الخطاب السياسي الذي استخدم في المناظرة الأولى التي جرت قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2004 بين الرئيس بوش والسيناتور كيري مستخدمًا آليات تحليل الخطاب. والثاني يتناول بالنقد والتحليل قصيدة الشاعر الفيكتوري الشهير ألفريد تينسون الذي يعد أهم شعراء القرن التاسع عشر ويبين كيف كانت هذه القصيدة حلقة الوصل بين العصرين الفكتوري والرومانسي، وأثر الشعراء الرومانسيين فيه.

وفضلاً عن الأبحاث فقد احتوى هذا العدد على تقريرين عن مؤتمرين عالميين، ومراجعة كتاب: فهم سياسات العالم الثالث: نظريات التغير السياسي والتنمية.

وهكذا يظهر ما يحتويه هذا العدد من أبحاث ذات قيمة أكاديمية عالية وعلى الرغم من أنها لم تنشر إلا بعد أن حكم فيها أساتذة متخصصون فالقارئ الكريم مدعو إلى التعليق على ما ورد في هذا العدد من أبحاث وسوف يخصص ابتداءً من العدد القادم إن شاء الله باب لمراجعات الأبحاث المنشورة في العدد السابق إثراء للحوار العلمي الخلاق.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،،

أ.د. محمــــــود نحلــــــــة                                                      

منشور: 2020-01-12